عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
144
اللباب في علوم الكتاب
مأخوذ من النسك وهو العبادة ، وإذا وقع الاسم على عبادة فلا وجه للتخصيص « 1 » . فإن قيل : هلا حملتموه على الذبح ، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح وهلا حملتموه على موضع العبادة وعلى وقتها ؟ فالجواب عن الأول : لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح ، لأن سائر أفعال الحج تسمى مناسك قال عليه السلام « 2 » : « خذوا عنّي مناسككم » « 3 » . وعن الثاني : أن قوله : « هُمْ ناسِكُوهُ » أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان « 4 » . « فَلا يُنازِعُنَّكَ » قرأ الجمهور بتشديد النون ، وقرىء بالنون الخفيفة « 5 » وقرأ أبو مجلز « فلا ينزعنك » « 6 » من نزعته من كذا أي قلعته منه . وقال الزجاج : هو من نازعته فنزعته أنزعه أي : غلبته في المنازعة « 7 » . ومجيء هذه الآية كقوله تعالى : « فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها » « 8 » وقولهم : لا أرينّك ههنا « 9 » . فصل : [ في قراءات « ينازعنّك » ] معنى الكلام على قراءة أبي مجلز : أي أثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه « 10 » وعلى قراءة : « ينازعنّك » فيه قولان : الأول : قال الزجاج : إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول : لا يضاربك فلان أي « 11 » : لا تضاربه « 12 » . قال بعض المفسرين : « فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ » في أمر الذبائح ، نزلت في بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان ويزيد بن حبيش قالوا لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ما لكم تأكلون ما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون ما قتل اللّه « 13 » « 14 » .
--> ( 1 ) انظر الفخر الرازي 23 / 65 . ( 2 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 3 ) أخرجه مسلم ( حج ) 2 / 943 ، برواية : ( لتأخذوا مناسككم ) ، أحمد 3 / 318 ، 337 ، 378 . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 23 / 65 . ( 5 ) البحر المحيط 6 / 387 . ( 6 ) المختصر ( 96 ) ، المحتسب 2 / 84 ، البحر المحيط 6 / 388 . ( 7 ) معاني القرآن وإعرابه 3 / 437 . ( 8 ) [ طه : 16 ] . ( 9 ) فلفظ النهي لهم ومعناه له صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي فاثبت على يقينك في صحة دينك ولا تلتفت إلى فساد أقوالهم ، حتى إذا رأوك كذلك أمسكوا عنك ولم ينازعوك فالنهي إنما يراد به معنى من غير اللفظ ، كما يراد في قولهم : لا أرينك ههنا ، أي : لا تكن هنا فأراك ، فالنهي في اللفظ لنفسه ومحصول معناه للمخاطب . المحتسب 2 / 86 . ( 10 ) انظر الفخر الرازي 23 / 65 . ( 11 ) في ب : و . ( 12 ) معاني القرآن وإعرابه 3 / 437 . وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين ، لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين ، فإذا قلت : لا يجادلنّك فلان فهو بمنزلة لا تجادلنه ، ولا يجوز هذا في قوله : لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربه ، ولكن لو قلت : لا يضاربنّك فلان لكان كقولك : لا تضاربنّ فلانا . ( 13 ) في ب : ما قتله . ( 14 ) انظر البغوي 5 / 610 .